محمد بن وليد الطرطوشي
17
سراج الملوك
والمدارس من طلاب العلم والعلماء ، بسبب ملاحقة العبيدية لعلماء السنة وتشريدهم وقتلهم ، وكان يقول : ( إن سألني اللّه تعالى عن المقام بالإسكندرية - لما كانت عليه في أيام العبيدية من ترك إقامة الجمعة وغير ذلك من المناكر التي كانت في أيامهم ، أقول له : وجدت قوما ضلّالا فكنت سبب هدايتهم ) « 1 » . استقر الطرطوشي في الإسكندرية وتزوج فيها من امرأة غنية فاضلة ، فتحت بيتها له ولطلابه الذين وفدوا على دروسه من كل البلاد ، وسمع به الوزير الأفضل ابن أمير الجيوش ( أحمد بن بدر الجمالي ) ، والذي كان وزيرا للملك الآمر بأحكام اللّه العبيدي - صاحب مصر - فطلبه إلى القاهرة وألزمه الإقامة فيها ليبعده عن طلابه ودروسه ، خوفا من أن يثيرهم على ملكه . قال ابن خلكان : ( لما دخل الطرطوشي على الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بمصر ، بسط مئزرا كان معه ، وكان إلى جانب الأفضل رجل نصراني ، فوعظ الأفضل حتى بكى ، وأنشد : يا ذا الذي طاعته قربة * وحقه مفترض واجب إن الذي شرّفت من أجله * يزعم هذا أنّه كاذب وأشار إلى ذلك النصراني ، فأقام الأفضل النصراني من مكانه « 2 » ، وأنزل الأفضل الشيخ أبا بكر في مسجد شقيق الملك بالقرب من الرصد ، وكان يكرهه ، فلما طال مقامه ضجر وقال لخادمه : إلى متى نصبر ؟ اجمع لي المباح ، فجمعه وأكله ثلاثة أيام ، فلما كان عند صلاة المغرب قال لخادمه : رميته الساعة ، فلما كان من الغد ركب الأفضل فقتل .
--> ( 1 ) انظر سير أعلام النبلاء للذهبي ج 19 ص 491 ( 2 ) وفيات الأعيان ج 4 / 264 ، وقد ذكر الطرطوشي هذه الحكاية في الباب الثاني وكررها في الباب الرابع والعشرين من هذا الكتاب .